الشيخ محمد رشيد رضا
253
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والقلب التي امتاز بها البشر ، وبهذا العلم والهدى امتاز الاسلام ودخل فيه العقلاء من جميع الأمم أفواجا ، ثم نكس المسلمون على رؤوسهم ، واتبعوا سنن من قبلهم من أهل الكتاب وغيرهم في التقليد لآبائهم ومشايخهم المنسوبين إلى بعض أئمة علمائهم ، الذين نهوهم عن التقليد ولم يأمروهم به ، فأبطلوا بذلك حجة اللّه تعالى على الأمم وصاروا حجة على دينهم ، حتى أن أدعياء العلم الرسمي فيهم ينكرون أشد الانكار على من يدعونهم إلى اتباع كتاب اللّه وهدي رسوله وسيرة السلف الصالح من أهله ، ونحن معهم في بلاء وعناء ، نقاسي منهم ما شاء الجهل والجمود من استهزاء ، وطعن وبذاء ، وتهكم بلقب « المجتهد » الذي احتكره الجهل لبعض المتقدمين من العلماء ولو كان فينا علماء كثيرون يظهرون الاسلام في صورته الحقيقية العلمية العقلية لدخل الناس المستقلون في العقل والعلم أفواجا حتى يعم الدنيا . لان التعليم العصري في جميع مدارس الأرض يجرى على طريقة الاستقلال في الفهم واتباع الدليل في جميع بلاد الإفرنج والبلاد المقلدة لهم . ولكن أكثر هؤلاء يرون جميع الأديان تقليدية ويعتدونها نظما أدبية واجتماعية للأمم ، فلهذا يرون الأولى بحفظ نظامهم اتباع دينهم التقليدي ، وبهذا يعسر علينا أن نقنعهم بامتياز الاسلام على دينهم ، لأنه يقل فينا من يقدر على إظهار الاسلام في صورته التي خصه بها القرآن ، وما بينه من سنة خاتم النبيين صلّى اللّه عليه وسلّم وسيرة خلفائه الراشدين والسلف الصالحين ، رضوان اللّه عليهم أجمعين ( دحص شبهة ، وإقامة حجة ) يتوهم بعض المقلدين ان دعوة المسلمين إلى الاهتداء بالكتاب والسنة والاستقلال في فهمهما التي اشتهر المنار في عصرنا بها ، هي التي جرأت بعض الجاهلين على دعوى الاجتهاد في الشريعة والاستغناء عن تقليد الأئمة والانتقاد عليهم وعلى اتباعهم بما هو ابتداع جديد ، واستبدال للفوضى بالتقليد . وهو وهم سببه الجهل بالدين وبالتاريخ ، فمذاهب الابتداع والالحاد قديمة ، قد نجمت قرونها في خير القرون وعهد أكبر الأئمة ، وكان أشدها إفسادا للدين الدعوة إلى اتباع الأئمة المعصومين ، الذين لا بسئلون عن الدليل ، على خلاف ما كان عليه أئمة السنة من تحريم اتباع أحد لذاته في الدين بعد